بين خطاب العقيدة وحدود الدولة: قراءة في دلالات بيان “المقاومة الإسلامية” وتداعياته على المشهد اللبناني
بقلم: د. هشام الأعور

في ذروة حرب إقليمية مفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، جاء إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل ليشكّل لحظة مفصلية في مسار النزاع، ليس فقط عسكرياً بل سياسياً أيضاً. فالخطوة لم تكن حدثاً معزولاً، بل وقعت في سياق إقليمي متفجّر، وفي ظل حرب إسرائيلية مستمرة على لبنان منذ عام 2024، ما جعل توقيتها ودلالاته موضع قراءة دقيقة داخل لبنان وخارجه، ولا سيما بعد صدور بيان باسم “المقاومة الإسلامية” التابعة لـحزب الله يتبنى العملية بشكل واضح.
لا يمكن التعامل مع البيان باعتباره مجرد إعلان مسؤولية تقليدي. في سياقات النزاعات المسلحة، تؤدي البيانات الصادرة عن الفاعلين غير الدولتيين وظيفة مركبة تتجاوز الإعلام إلى إدارة الرسائل الاستراتيجية. فهي تخاطب جمهورين في آن: جمهوراً داخلياً يحتاج إلى تعبئة وضبط إيقاع التوقعات، وجمهوراً خارجياً تُرسم له حدود الاشتباك وسقوف الردع. ومن هنا، فإن تحليل البنية الخطابية للبيان يكشف عن توتر داخلي بين مستويين من الخطاب.
افتتح البيان بسقف أيديولوجي مرتفع، مقدّماً العملية بوصفها ثأراً لشخصية دينية ذات مقام يتجاوز الإطار الوطني اللبناني، ما يعكس انخراطاً عضوياً في محور إقليمي أوسع تقوده إيران. غير أن الخطاب نفسه عاد في فقراته اللاحقة ليصف العملية بأنها “رد تحذيري”، وليست انخراطاً كاملاً في الحرب. هذا التوصيف يخلق مفارقة دلالية: فالتحذير في الأدبيات العسكرية يسبق الفعل ولا يلحقه، واستخدامه بعد تنفيذ الضربة يوحي بمحاولة احتواء التصعيد لا تكريسه. بذلك، يظهر البيان وكأنه يسعى إلى الجمع بين رسالتين متعارضتين: تأكيد الالتزام العقائدي من جهة، وضبط مستوى الاشتباك ضمن حدود مدروسة من جهة أخرى.
ويتعزز هذا التباين عند النظر إلى طبيعة الهدف العسكري. فاستهداف موقع “مشمار الكرمل” بصلية محدودة من ستة صواريخ، وهو موقع دفاعي تقني، لا ينسجم مع حمولة الخطاب الافتتاحي العالية. هنا يبرز خلل في مبدأ التناسب بين الرمز والفعل: إذ إن رفع السقف الرمزي إلى مستوى “الثأر العقائدي” يقابله فعل عسكري محسوب بعناية، أقرب إلى رسالة موضعية منه إلى تغيير في قواعد الاشتباك. هذه الازدواجية تكشف أن العملية صُممت لتؤدي وظيفة سياسية بقدر ما تؤدي وظيفة عسكرية، وأن إدارة الصورة كانت حاضرة بقدر إدارة النار.
داخلياً، جاءت التداعيات أكثر تعقيداً. فالمشهد السياسي اللبناني دخل مرحلة جديدة مع تمييز الحكومة اللبنانية، للمرة الأولى بوضوح، بين الجناحين السياسي والعسكري لـحزب الله. هذا التطور يمثّل تحولاً نوعياً مقارنة بالبيانات الوزارية التي تعاقبت منذ التسعينيات ووفّرت غطاءً رسمياً لسلاح المقاومة تحت عناوين مختلفة. إن كسر هذا الغطاء أو إعادة تعريفه يضع الحزب أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على شرعيته داخل بيئته الحاضنة، وإدارة علاقته ببقية مكونات النظام السياسي التي تخشى الانجرار إلى حرب شاملة.
الأمر يزداد حساسية في ظل المعطيات السياسية التي سبقت العملية، حيث كانت قد صدرت إشارات عن التزام بعدم الانخراط في الحرب الإقليمية الدائرة. وعليه، فإن العملية، بصيغتها الخطابية والميدانية، أحرجت المستوى السياسي للحزب أمام رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب، وفرضت إعادة تموضع داخل معادلة “الإجماع الوطني” الذي يحتاجه لبنان لتفادي استفراد إسرائيلي بالساحة اللبنانية. فكل تصعيد غير محسوب يهدد بتوسيع دائرة الاستهداف الإسرائيلي، وما يرافقه من موجات نزوح وضغوط اقتصادية وأمنية على بيئة الحزب أولاً، وعلى الدولة اللبنانية برمتها ثانياً.
في المحصلة، تكشف هذه الواقعة عن إشكالية أعمق تتعلق بموقع الفعل المسلح في بنية الدولة اللبنانية. فعندما يتقاطع خطاب عقائدي عابر للحدود مع واقع سياسي داخلي هشّ، يصبح ضبط التوقعات وإدارة الرسائل تحدياً استراتيجياً بحد ذاته. العملية لم تكن مجرد إطلاق صواريخ، بل كانت اختباراً لقدرة حزب الله على الموازنة بين انتمائه لمحور إقليمي تقوده إيران، وبين ضرورات البقاء لاعباً أساسياً داخل نظام لبناني متعدد الطوائف والحساسيات. ومن هنا، فإن أهميتها لا تكمن في أثرها العسكري المباشر، بل في ما أثارته من أسئلة حول السيادة، والشرعية، وحدود القرار بالحرب والسلم في دولة تقف على تخوم حرب إقليمية مفتوحة.



